الحياة

التربية الدعوية في زمن الانفتاح

طريق الدعوة.

 

عندما نحس أننا وصلنا إلى قمة السلم، يجب أن ندرك أننا حينها في آخره. فالتوقف عند عتبة العمل والإحساس بأن المضي لم يعد مهما هو قمة الانحطاط الفكري، فالعقل كالعجلة الدائمة الحركة يجب أن نطور من تروسه ليسير في ثبات ودون تخبط.

فمن المهم جدا شحذ الهمم نحو عمل مفيد يعود على الأمة بالنفع، لكن من الخطأ الفادح الوصول إلى نقطة النجاح دون تطوير هذا العمل والارتقاء به لسلم التميز.

إن انطلاقة الصحوة في وجهها الجديد عبر الشبكة العنكبوتية ولدت لنا مواقع فريدة من نوعها على صفحات الكترونية كانت نتاج عمل دؤوب, وسعي حثيث للرقي بالفكر الواعي للمرأة المسلمة.

فمن الظلم أن ننتظر القطاف قبل أن نبذل نحن السقاء الذي يروي ذلك الغرس. هذه المواقع وقودها مداد أقلام واعدة ، تحمل هماً متدفقاً بالدعوة ومتحمسة للخير, تساهم في دفعها بثبات، بالمقال المتميز, والكلمة الصائبة, والنقاش الهادف دون اللجوء إلى سفاسف الأمور, والاهتمام بالعواطف والانسياق وراءها.. "لها أون لاين"، "آسية"، "أمهات المؤمنين"، "دعوتها".. مواقع ما زالت ينبوع خير للفتاة المتميزة، ولكن من العدل والإنصاف أن نحافظ على هذا المعين من الجفاف أو التعكير.

إننا نطمح للشموخ الفكري الذي يسهم في البناء لا الهدم أو التقويض، فعقولنا بحاجة إلى برمجة لمنهجية التفكير التي تقود ذواتنا وما نحن عليه من سلوك يترجم تلك الأفكار بكل ما فيها من كم معرفي، وتنوع مهاري.

إن الأمة بحاجة لمن يقود دفة نفسه قبل أن ينخرط في غمار العمل الدعوي لنستطيع بذلك المضي في مسيرة العمل والإنجاز المتنامي ـ بإذن الله تعالى ـ لهذه المواقع الإسلامية.

ومن هنا كان لزاما على الجميع أن يكون لبنة فعالة تبني بلا تقويض، و شعلة متوقدة توري الهمم بلا هدم للقيم، وسنبلة معطاءة تنشر الفضيلة، وتعين على حسر الرذيلة؛ فنكون بذلك قد أدينا الأمانة، وبذلنا كل جهد في تحقيق الغاية في هذه الحياة.

عاشوراء...عبادة وتربية..!

لله دَرُّ هذا اليوم العظيم؛ كم فيه من الدروس والعبر تستحق أن يكون للبيوت معها وقفات وعظات!

وقفة مع الأحقية والخيرية.. وأخرى مع العبادة وفضائلها.. وثالثة مع رسالة أمة الوسطية!

ورابعة.. وخامسة.. وهلم جرّاً من الدروس والعبر الحية، لأولي الألباب الذين لا يفوتهم استثمار مواسم العام المباركة في التربية والتزكية.. كما لا يفوتهم اغتنام شعائرها التعبدية!

أحقية وخيرية..!

في هذا اليوم تذكير بخيرية أمة محمد صلى الله عليه وسلم (نحن أحق بموسى منكم!) وأنها أمة الخيرية إلى قيام الساعة.

درس كما يغرس العزة في النفوس.. يبرز المسؤولية عن هذا الدين الخاتم الذي تتعطش البشرية إلى نوره المبين؛ في خضم أمواج متلاطمة من الانحرافات والتحريفات والاعتداءات والانتهاكات!

درس من قصة موسى عليه السلام أحد الرسل أولي العزم.. وفرعون وهامان وجنودهما الذين أغرقهم الجليل في اليم؛ يجلّي حقيقة الصراع بين الحق والباطل، وأيهما أحق بالنصرة والغلبة، وحسن العاقبة والرفعة، ولو بعد حين.. {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}!

هُـــدَى لا هَــــوَى..!

في هذا اليوم الكريم تصوم البيوت المباركة؛ اتباعاً لسنة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيترقب أفراد البيت ليالي التاسع والعاشر والحادي عشر؛ كلها أو بعضها، لابتدارها بالسحور والاستعداد للصوم؛ رغبة وطمعاً في ثواب المولى جل وعلا.

كما يستحب حث الصغار على صومه، كما في حديث الربيِّع بنت معوذ رضي الله عنها قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: "مَن أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم" قالت: فكنا نصومه بعد ونصوِّمه صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار" (رواه البخاري ومسلم).

وما بين سنة متبعة.. وعبادة فاضلة.. درس آخر منظور في حقيقة الأهواء التي ابتدعها أناس لا تكفيهم السنة المطهرة! ولا تغنيهم العبادة المشروعة! فيسلمون عقولهم وقلوبهم للشياطين تعبث بها في أودية الهوى والبدعة بطقوس ضالة ما أنزل الله بها من سلطان {وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى}..!

أمة ورسالة..!

"أمة الوسطية" هي "الحقيقة الكبرى" التي تتجلّى في هذا اليوم.. واقعاً وتاريخاً ورسالة!

أمة الوسط (الحق والعدل) بين أهل الغلو.. وأهل الغفلة!

أمة القرآن والسنة.. بين أهل الهوى والبدعة!

أمة التوقير والتعظيم للرسل أولي العزم والهمة!

هذه أمتنا.. وهذه رسالتها.. فمن أراد أن ينتسب ويحتسب؛ فالله جل وعلا بثوابه وفضله أكرم وأقرب!

و"كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها"!

حروف الختام.. 

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: "ما هذا؟" قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: "فأنا أحق بموسى منكم" فصامه وأمر بصيامه (رواه البخاري).

وعنه رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" (رواه مسلم).

وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام يوم عاشوراء فقال: "يكفر السنة الماضية"(رواه مسلم).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم" (رواه مسلم).

لنتعلم بهدف.

إن كثيراً من مشكلاتنا في علاقتنا مع الله ومع الناس بل ومع الحياة تكمن في عدم إدراكنا أهمية العلم والتعلم، وغالباً ما يكون الإفراط والتفريط بسبب قلة العلم أو ما يمكن أن يسمى بالفقر المعرفي.

وإن كان العمل بلا علم يؤدي إلى الزلل والإفراط والتفريط، فإن العلم بلا هدف هو افتقاد لروح العلم وثمرته، ومثله {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}.

ولذلك قال رجل لآخر لا هدف لعلمه: (يا هذا، أمضيت عمرك في جمع السلاح فمن تحارب).

فهناك من يتثقف ليقال: مثقف، ويقرأ ليقال: مطلع، ويدرس ليقال: خريج.. دون النظر إلى ما أضافه إليه ذلك العلم في فكره وسلوكه وأثره عليه في تعامله مع الأحداث والمواقف.

إن الثقافة هي معرفة الحق والحقيقة المؤثرة في النفس، وليست هي المعلومات المفردة والمتقطعة التي تزحم الذهن ولا تؤدي إلى إيمان ثابت ولا اعتقاد راسخ. وأخطر من ذلك تلك الثقافة التي تنسج خيوط الفكر المنحرف وتؤدي إلى تغيرات في بناء القيم والأخلاق.

وللمسلم ثقافته الخاصة به، وهي التي تكسبه العزة بدينه والثبات على مبدأه، وتجعله مؤثراً فيمن حوله، مؤهلاً للتعايش مع الحياة وتقلباتها باتزان وتميز، وذلك لأن الإسلام دين شامل ينظم نواحي الحياة، فإلى جانب العلم الشرعي الذي يغذي إيمانه ويضبط سلوكه، فإن منهج الإسلام يطالبه بأن يكون لديه ثقافة في الحياة، وإدراك للوسائل التي يتعامل بها مع كل ما حوله ومن حوله، وأن يتعلم شيئاً عن كل شيء مفيد ونافع، ليؤدي مهمته في البناء والعطاء.

وأختم بهذا المثال:

عن عروة قال: "ما رأيت أحد أعلم بالطب من عائشة رضي الله عنها، فقلت: يا خالة ممن تعلمت الطب؟ قالت: كنت أسمع الناس ينعت بعضهم لبعض فأحفظه".   

استعداد للعام الهجري الجديد.

مع إطلالة العام الهجري الجديد، نعيش جانبا من شخصيته صلى الله عليه وسلم، تلك الشخصية التي لم يعرف لها التاريخ مثيل، فلم تكن تلك الشخصية عشوائية تسير بلا هدف ، ومع أن ربه قد تولاه وكفاه، ومع يقينه بنصرة الله له ،إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان شخصية مخططة، تحسب للأمور حسابها، وتعد العدة لها، وهذه بعض من الوقفات في تخطيطه للهجرة المباركة علنا نستفيد منها في التخطيط في كثير من أمور حياتنا:

 

 *  اختيار علي بن أبي طالب رضي الله عنه الشاب الشجاع ومن أهل بيته  لينام على فراشه صلى الله عليه وسلم تمويها للكافرين ولأداء الأمانات لأهلها ،فيه إشراك الشباب واستغلال ما بهم من طاقات في الأمور المهمة.

 

* اختيار الرفقة الطيبة التي تعين على المسير:

اختار صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي عرف عنه الصدق والنصح فكان إذا مشى صلى الله عليه وسلم جاء أبو بكر من خلفه خشية أن يصاب من خلفه وإذا التفت جاءه من أمامه ، وفي اختياره دلالة على المكانة التي ستكون لأبي بكر رضي الله عنه.

  

      ليهن أبا بكر سعادة جده      بصحبته من يسعد الله يسعد

 

وفي مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر مقنعا وفي منتصف النهار -  في ساعة لم يكن يأتيه فيها - أهمية السرية والاحتياط في بعض الأمور:  " والله كافيك من الناس " .

وللتزويد بالأخبار يكون عبد الرحمن بن أبي بكر ونقل الطعام أسماء حتى لا تنتشر دائرة الخبر وكلهم من الشباب. 

 

* اتخاذ صاحب الأثر الذي يدله على المسير حاذقا مع أنه غير مسلم حتى لا يضل الطريق ولمعرفته بطرق قد لا يهتدي لها كفار قريش فيه أهمية فعل الأسباب وتعلق القلب بمسبب الأسباب جل في علاه.

 

* وفي شدة الأزمة والكفار حول باب الغار وانتفاء الأسباب يظهر الثبات واليقين وحسن التوكل على الله  " ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا ".

 

* في وضوح الرؤيا والتحقق من حصولها ولو بعد حين يقول لسراقة بن مالك -الذي قدم ليظفربالجائزه  بقتله محمد- وقد خارت به الفرس " فكيف بك إذا سورت بسواري كسرى " فيفوزسراقة بما هو أعظم الهداية للإسلام ، وهنا يتجلى موقف أعظم للقائد المخطط فلا ينتقم من سراقة لأنه جاء ليقتله بل يدعوه إلى الإسلام وهو الهدف الواضح في ذهنه صلى الله عليه وسلم.

 

* وفي مسيرته وحله وترحاله تظل الأخلاق العالية التي تبهر كل من تعامل معه فتقول: أم معبد واصفة للرسول صلى الله عليه وسلم عندما مر بها ".... ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، ....إذا تكلم علاه البهاء،أجمل الناس وأبهاه من بعيد ، وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو المنطق ، فصل ، لا تزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن...غصن بين غصنين ، فهو أنضرالثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به ، إذا قال استمعوا لقوله وإذا أمر تبادروا إلى أمره محفود محشود لا عابس ولا مفند".

 

الأخلاق العالية التي تأسر القلوب وتستوعب الناس على اختلاف مشاربهم  وتنوع أحوالهم.

إلا ما أحوجنا للاقتداء بخلقه ونهجه صلى الله عليه وسلم.

 

نحتاج إلى التخطيط في حياتنا الدنيا لاستثمارها في الآخرة، نعم فالأيام تمضي والناس في سباق وغدا نسمع : {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} (24: سورة الفجر) , أي قدمت أعمالا صالحة  لحياتي في الدار الآخرة دار الجزاء .....

 

ونحتاج إلى التخطيط في مجال عملنا للتطوير والتجديد وتقديم الأفضل مبتغين في ذلك وجه الله ولنشعر بالسعادة والرضى ....

 

ونحتاج إلى التخطيط في حياتنا الأسرية لإنشاء جيل نافع لأمته في زمان كثرت فيه المؤثرات  والفتن...............

 

بل نحتاج إلى التخطيط في تطوير أنفسنا دينيا وعلميا وتربويا والنهوض بها من إطار الذات والأنا إلى أفق النفع والعطاء والبذل وبذلك نفوز بالخيرية التي قال عنها صلى الله عليه وسلم " خير الناس أنفعهم للناس" .

                              *          *          *

هانحن في عام هجري جديد صحائف أيامه البيضاء تنتظر كل منا أن يسطر فيها عملا وانجازا ينتفع به ما شاء الله من الخلق بتخطيط مدروس مقتديا بمحمد صلى الله عليه وسلم متوكلا على الله سبحانه وتعالى فأين المشمرون ؟.

عام جديد.. عطاء جديد....

 
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبة أجمعين ومن والاه.
          وبعد:

 

فإن مع كل عام جديد وسنة جديدة تتجدد ذكرى بارزة في السيرة العطرة إنها ذكرى (الهجرة النبوية) فهي تمثل الإرادة الحاسمة والعزيمة الماضية التي تواصل المسيرة رغم الصعوبات.فهي منعطف التغير الذي ينطلق من قاعدة الأمل الذي لا ينطفئ ,  ويسير بعقلية التخطيط المستقبلية ، ويمضي بروح التجديد الإبداعية .
 
         /- الهجرة عطاء متدفق لا هروب متخبط، والهجرة آفاق رحبة لا مضايق صعبة، والهجرة إنجاز أعظم لا انسحاب أسلم.
 
        / - الهجرة رسالة سلام آثرت نزع فتيل الصراع ، وأطفأت نيران تأجيج العداء ، وسلبت الجاهلية كل المبررات التي كانت تتذرع بها - كذباً - لممارساتها القمعية ضد المسلمين.
 

        / - الهجرة نموذج الاستمداد الرباني ، الاستمداد الذي يبلغ به المسلم الغاية في بذل الجهد, إلا أنه قبل الجهد, وبعده ,وأثناءه , يتوكل على مولاه ويستشعر معيّته (سبحانه وتعالى).

والهجرة المرتبطة ببداية كل عام تمثل الصفحة الجديدة التي تفتح لتسجيل المزيد من الإنجازات، وتعد الرقعة الفسيحة الممتدة لتشييد المزيد من اللبنات.
 

     وفي موقع ــ (تودرت) ــ نبدأ عامنا الجديد بإضافات جديدة ومواضيع مفيدة ، ونوسع دائرة العطاء ، ونفسح الطريق لمزيد من الخطوات نحو مستقبل أفضل ، ونكرّس مبدأ الاستمرار بلا توقف ، والإصرار بلا تردد ، والابتكار بلا تكرار..

 

أنتظركم .....وأنتظر أرائكم __اقتراحاتكم __إنتقاذاتكم